سلايد 1
عنترة العبسي.. بطولة لا تعرف مرارة الواقع

لعل من أكثر الأشياء التي جعلت قصة وسيرة عنترة بن شداد العبسي ملهمة وخالدة، هي تلك الظروف القاسية التي عاشها بطلنا، في كنف أسرة أجّلت اعترافها به، وفي ظل عبودية يصبح، للمفارقة، السيد فيها هو والده، لكن عنترة لم يستسلم لواقعه المرير ذلك، فقد نشأ على الفروسية والأخلاق النبيلة الفاضلة ورواية الشعر، وربما ذلك من الأسباب التي خلدت سيرة عنترة، أيضاً علاقة الحب الكبيرة التي جمعته بابنة عمه عبلة، وهي القصة التي سارت بها الركبان ودونها التاريخ، وبذل على جوانبها الفتى العبسي الأشعار، والتي اعتبرت من أجمل قصائد الحب العذري.
رفض والد عنترة شداد بن مالك العبسي، طويلا الاعتراف بابنه عنترة الذي أنجبه من أمة تدعى زبيبة، وقد ذكرها عنترة كثيرا في شعره، وقد فخر بها أيما فخر، وإلى جانب قصة الفروسية والبطولة في حياة عنترة، فهو كذلك من أشهر شعراء العرب في مرحلة ما قبل الإسلام، حيث يعتبر من شعراء الطبقة الأولى، ومن أبرز شعراء المعلقات، فهو صاحب المعلّقة المشهورة التي يقول في مطلعها:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَرَدَّمِ
أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ
يَا دَارَ عَبْلةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِي
وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي
ويقال إن اسم عنترة مشتق من كلمة العتر أي الذبح، وقد جاء اسمه مما أظهره من شجاعة في المعارك التي خاضها، والبطولات التي نسبت إليه، وقد اختلف الناس في اسمه الصحيح؛ هل هو عنتر أو عنترة، وقد كان يلقب أيضا بالفلحاء بسبب وجود شق بشفته السفلى، وأيضا بأبي الفوارس نظراً لشجاعته وإقدامه، إذ كان لا يهاب المواجهات والمعارك، كذلك كنّي بأبي المغلس، وذلك لسواد لونه الذي ورثه من أمه زبيبة. وقد ترعرع عنترة في قبيلة بني عبس، حيث ولد في بلدة تسمى قصيباء في القرن السادس الميلادي، ويقول بعض المؤرخين إن عنترة قد شارك في حرب داحس والغبراء، فقدر المؤرخون بأنه ولد عام 525م.
وقد رسم الكثير من المؤرخين صورة خلدت عن هيئة عنترة، فقيل إنه كان أسود اللون، قوي العظام، حاد النظرات حتى كأن الشرر يتطاير من عينيه، وقيل إن الفتى نشأ وهو ذو بطش شديد على الناس، خاصة الذين يسعون للنيل منه، فإذا ما سولت لأحدهم نفسه أن يتجاسر عليه أذاقه الويلات، وقد عرف بين أقرانه بتلك القوة والبأس، وانتشرت شهرته حتى بلغت القبائل والمضارب المجاورة، غير أن تلك الحياة التي عاشها الفتى العبسي لم تعجب والده، وذلك لأن الناس قد ضاقوا ببأس عنترة وازدادت شكايتهم لوالده وسيده شداد بن مالك، فوجد أن من الأسلم أن يمنح عنترة عددا من الأغنام ليسعى بها كراعٍ، وفي غدير ذات الآصاد الذي كان يسقي فيه غنمه حدثت قصة غريبة، فقد جاء عبيد الملك زهير لسقاية غنمهم، وكان يقودهم رجل شديد البأس يسمى راجي، وكان قويا جدا، وحدث أن اعتدى بالضرب على إحدى النساء هناك فاشتبك معه عنترة، ورفعه عنترة وألقى به على الأرض، لكن الملك زهير لم يعاقب عنترة حيث اعتبر أنه يدافع عن العرض، فالشاهد أن عنترة قد وطد نفسه على القيم والأخلاق النبيلة التي كانت سائدة، وهي أخلاق الفرسان، فعلى الرغم من الظروف التي نشأ فيها، والعبودية، إلا أن نفسه قد نهته عن أن يركن إلى حياة الذل، فاختار حياة الفرسان والشجاعة.
وربما كانت حياة عنترة ستمضي عادية، ليقضي عمره في ظل العبودية وعدم اعتراف الأب به، لولا أن يوما ما شكل منعطفا كبيرا في حياته، وهو اليوم الذي أغارت فيه قبيلة على بني عبس، فأخذوا الإبل والأغنام، ولم يكن عنترة يعتبر من فرسان القبيلة، وقد كان بنو قومه ينقصوه حصته التي جمعها في حروب سابقة من الغنائم، وذلك لكونه ابن جارية وأسود اللون، فكان لذلك أثره عند عنترة، فلم يكن يقبل على تلك المعارك بهمة عالية، بل كان يتقاعس عن قصد منه، ويبقى في دور المدافع أثناء المعركة، ولكن في ذلك اليوم اشتد الأمر على بني عبس، وكادت القبيلة أن تهزم شر هزيمة في تلك الحرب، وتهتز مكانتها وتفقد أموالها وأنعامها، فما كان من والد عنترة إلا أن صاح فيه: كر يا عنترة، فكان الرد الشهير من عنترة: «العبد لا يحسن إلا الحلاب والصر» وذلك ما كان يعيره به والده وأهل قبيلته، فقال له والده: «كر وأنت حر»، فكان لتلك الكلمات أثر السحر في نفس عنترة، إذ أيقظت داخله ذلك الأسد الشجاع الهصور، فأقبل على الحرب كأفضل ما يكون الإقدام، وبفعل شجاعته ومقدمه؛ انتصرت قبيلته في تلك الحرب، وعرف قومه قدره فأشادوا به وثمنوا موقفه ذلك، واعترفوا ببأسه وشجاعته، فصار حرا وسيدا في قومه، وعاش بينهم سامي المقام والمكانة.
ومن أشهر ما ورد في سيرة عنترة، ذلك الحب العذري القوي الذي جمعه بعبلة ابنة عمه مالك، وقد رفض عمه هذا تزويجه لها، وحتى لا يظهر له ذلك السبب، فقد طلب منه مهرا ضخما، غير أن عنترة أحضر المهر، ولكن عمه أخذ يماطل، ولكن عنترة صبر لأمر عمه حتى تزوج منها، بينما تقول بعض الروايات إنها تزوجت من رجل آخر، وقد خلد عنترة قصة حبه تلك في أشعاره، وكان يناجي عبلة في الكثير من القصائد، فقد قال فيها:
وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ
مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها
لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ
الخليج